{ وليَس الذَّكرُ كالأُنثَى } ..

د. كِــفاح أبو هنّود

كيفَ يقلِب القُرآن التَّصورات ؛ ويُعيد البُنيان الفِكري للبَشرية ؟!

كيفَ يجعلُ لحظة التَّحسّر ؛ ميداناً للمِنّة الإلهيّة !

كيفَ يرسمُ باقتدارٍ عَجيب مَشهد امرأة آلِ عِمران ؛ وهيَ تُفاجَأ بالمولود ..

وتَخشى أن لا تَكتمل الأُمنية ؛ و يُرَدُّ النَّذرُ إذْ كان القادمُ أُنثى !

{ فلمَّا وضَعَتها قالَت ربِّ إنّي وضَعتُها أنثى } ..

بِحَسرةٍ تقعُ في مَسامع الغَيب ؛

إذْ تتَخوّف أن لا تكونَ الأُنثى كَفافاً لِنَذرِها .. وأنّى لها ذلك !

يفاجيء اللهُ امرأةَ عِمران بقولِه تعالى { والله أعلَم بما وَضَعَتْ } .. ومَا حمَلت وما علِق في صَميم الطِّفلة مِن عَظائِم العَطايا ..

فقدْ كانَت مَريم عتَبة ميلادٍ ؛ لشريعةٍ جديدة ، ونبي مُعجزة ..

وكانَت مَحلّاً ؛ لمواهب الله العَليّة .. ومَن قدَّم النيّة للهِ ؛ فليسَ عليهِ أن يتعقَّب أمر الله !

هُنا .. يُوجِّه القُرآن في بيئةٍ عربيّة قاسِية في مَوروثاتِها ؛ المَعاني ويُعلنها { وَليْس الذَّكر كالأُنثَى } ..

ليسَ الذكرُ الذي كانَت تطلُبه هذهِ الصّالحة ، وتتخيّل كمالَه ؛ ليكونَ كواحدٍ من السَّدَنة كالأُنثى التي وُهِبتْ لها .. فإنّ دائرةَ علمِها وأمنَيتها لا تكادُ تُحيط بما فيها من جَلائل الأُمور !

فالمَفضول ؛ هُو الذِّكر .. والفَاضل هُنا ؛ هي الأُنثى .. وفيها من النَّفاسة ما يجَعلها سيّدة للجنّة في عالم الخُلود !

لقدْ كانت مَريم - عَليها السَّلام - مِنحةً إلهيّة ، وإجابة الدُّعاء بما لا يَخطر على قلبِ بَشر ! 

{ وليسَ الذَّكر كالأُنثى } ..

حيثُ يوجّه القرآن تَصوّرات النّاس، وعاداتِهم، و مفاهيمِهم عن المَرأة .. فيقولُ لهم ؛ أنّ الأُنثى المَوهوبة في مقامِ الله و عِلمه ؛ هي خيرٌ من الذِّكر المُتوقّع في عالم .. كان ولا زالَ يتوارى حَياءً { من سوء ما بشر به } !

فسُبحان من رَفع مقامَ الأُنثى .. و صوّب تصوُّرات البَشريّة !

{ وليسَ الذَّكر كالأُنثى } ..

نداءٌ لإصلاحِ الموازين العقليّة ، والقِيَم الفكريّة ، واحقاقٌ لمكانةِ الأُنثى .. وتَثبيتٌ لمَفهومٍ واحد ؛

أنَّ القُرآن لا ينحازُ للذُّكورة .. فتِلك قِيمة جاهليّة !

و لكنّهُ يعلِي شأن الرُّجولة ؛ وتِلك نَقلة عقلية !

وأنَّ الأُنثى .. ليسَت نُقطةَ ضعفٍ ؛ بل هِي بُؤرة ارتكازٍ للمُعجزة !

و مَا مَريم البَتول بكلِّ رِقيِّ أُنوثتها .. إلا أيْقونة الإِصطفاء الجَميل ..

فالتّفاضل ؛ إنَّما يكونُ بالخَارطة الدّاخلية لهذا الكائِن !

لقَد نَذرت امرأةُ عِمران { مَافي بطْنِها } لبيت المَقدس .. وظنَّت أنّه لا يَصلُح لخدمَته الا الرّجال !

فَعلَّم اللهُ البشريّة مِن بَعدها ؛ أنَّ العَذراء في طُهرِها تسامَت .. حتّى بلَغت { فَنفَخنا فِيها من رُوحِنا } !

حمَلت الصَّبيّة في الحُضن الصّغيرِ نَبِيّاً .. نَطق بِحُبها { فَلا تَخافي وَلا تحْزَني و قَرّي عيناً } ..

ثم رد عنها السوء { وبرا بوالدتي } ..

و أعلن البِشارة على صَدرِها { آتَانيَ الكتابَ وجَعلَني نَبِيّاً } إلى قيامِ السّاعة !

يا مَريم ..

ظلّت الرِّجال على الخُيول اللاهِثة ؛ تُحاول الَّلحاق ببعضِ بَركَتِك .. فمَا بلغَت .. إذْ قال اللهُ مُنذ أزلٍ :

{ وليْسَ الذَّكَر كالأُنثَى }  !

وسوم: العدد 867